بناء المدينة الرقمية الكبرى: نحو تحول رقمي حضري تشاركي يتمحور حول الإنسان

أصبحت المناطق الحضرية الكبرى مراكز محورية للتحول الرقمي، حيث تتلاقى فيها الاحتياجات اليومية للمواطنين، والحوكمة الديمقراطية، والأجندات الأوروبية. إلا أن التحول الرقمي ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو قبل كل شيء تحدٍّ يتعلق بالحوكمة، والثقة، وخلق القيمة العامة.

كان هذا هو المحور المركزي للمائدة المستديرة "رؤى مستقبلية: المشاركة في ابتكار التحول الرقمي في المدن الكبرى"، أدارها ميكيل بيرا (Metròpolis Digital, AMB)، بمشاركة ميكيل إستابي (اتحاد الإدارة المفتوحة لكاتالونيا – AOC)، وخوان كارلوس غونزاليس (AMB)، وريبيكا ماركوني (ALDA)، وسبيلا زالوكار (ENoLL)، وليفنت غورغن (كنتيو).

بنية تحتية رقمية مشتركة في خدمة 2.250 إدارة

في AOC نعمل على توفير البنية التحتية والخدمات الرقمية العامة المشتركة التي تسمح لأكثر من 2.250 كيانًا عامًا في كاتالونيا - قاعات المدن ومجالس المقاطعات والإدارات فوق البلدية - بتقديم خدمات رقمية أفضل للمواطنين.

مهمتنا واضحة: تجنب إعادة اختراع العجلة، وتشجيع إعادة استخدام ما هو ناجح بالفعل وتوسيع نطاقه. العمل الجماعي يُحقق فوائد ملموسة: توفير في التكاليف بفضل وفورات الحجم، والتطبيق المتسق لأفضل الممارسات والمعايير، ونشر أسرع للخدمات، وخدمات شاملة مصممة لتناسب أحداث حياة الناس، لا أن تكون معزولة إداريًا.

بالنسبة للمواطنين، يترجم هذا النهج إلى حقوق رقمية أقوى، وتفاعلات أبسط، وتجربة أفضل مع الخدمات العامة.

كيف سيبدو التحول الرقمي الناجح في المدن الكبرى؟

على مدى خمس سنوات، يكون التحول الرقمي الناجح في المدن الكبرى هو التحول الذي تصبح فيه الإدارة استباقية حقًا: ليس فقط رقمية، ولكن قادرة على توقع الاحتياجات، وموثوقة، ومتمحورة حول الناس.

هذا يعني الانتقال من إدارة تفاعلية إلى إدارة شخصية واستباقية. لا ينبغي للمواطنين المطالبة بحقوقهم بشكل متكرر. يجب أن تكون الإدارات قادرة على رصد الحالات، والتحقق من الأهلية، ومنح الخدمات أو المزايا تلقائيًا، استنادًا إلى بيانات موثوقة وأحكام قانونية واضحة. إن أفضل خدمة ليست مجرد نموذج أسرع، بل إشعار يُعلم بأن الحق قد تم الاعتراف به بالفعل.

يُعد هذا التغيير ذا أهمية خاصة في سياق يشعر فيه المواطنون بعدم تناسق واضح: فعندما يتعلق الأمر بدفع الضرائب، تعرف الإدارة كل شيء؛ أما عندما يتعلق الأمر بتلقي المزايا، فيبدو أنها لا تعرف شيئاً.

تستند هذه الرؤية إلى ثلاثة أركان أساسية:

  • بيانات عالية الجودة، تخضع لحوكمة جيدة وتستخدم بمسؤولية؛
  • قابلية التشغيل البيني الحقيقية، مع وجود مصدر واحد للحقيقة لكل البيانات التي يتم مشاركتها بشكل آمن وقانوني؛
  • والاقتناع بأن التحول الرقمي يتعلق بالثقة والقيمة العامة، وليس بالتكنولوجيا فحسب.

الذكاء الاصطناعي: قيمة عامة مع ضمانات ديمقراطية

في مكتب المدعي العام، لم يعد الذكاء الاصطناعي والأتمتة مجرد مشاريع تجريبية. بل أصبحا أدوات تولد قيمة عامة على نطاق واسع، مما يقلل العبء الإداري ويحسن الاستجابة لكل من المواطنين والموظفين العموميين.

تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي حاليًا بشكل رئيسي في ثلاثة مجالات: رعاية المواطنين من خلال المساعدين الافتراضيين المتاحين على مدار 24 ساعة في اليوم، والهوية الرقمية مع التحقق البيومتري لتسهيل الوصول الآمن عن بعد إلى الخدمات، ومجال الخدمات الاجتماعية، وأتمتة العمليات مثل تقارير فقر الطاقة للوصول إلى الأشخاص الضعفاء بشكل أسرع وأفضل.

مع ذلك، يتطلب توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي حوكمة قوية. ولهذا السبب، تخضع جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تروج لها منظمة الذكاء الاصطناعي لضمانات واضحة: تقييمات لـ transparència الخوارزميات، والإشراف البشري الإلزامي في القرارات الحساسة، واختبار المستخدم، والتوافق مع النهج القائم على المخاطر لقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي.

تعتمد ثقة الديمقراطيين على transparènciaيجب أن يعرف المواطنون أي خوارزمية تؤثر عليهم، وما هي البيانات المستخدمة، وما هي الضمانات المقدمة. إن الذكاء الاصطناعي في الإدارة ليس تحديًا تقنيًا، بل هو تحدٍّ في مجال الحوكمة.

أدوات رقمية لتعزيز مشاركة المواطنين

يجب أن تعمل الأدوات الرقمية على تقليل الحواجزeres في الديمقراطية، وليس في زيادة أعدادهم. تُعدّ الهوية الرقمية سهلة الاستخدام والآمنة مفتاحًا لجعل مشاركة المواطنين طبيعية ومتاحة للجميع.

في منظمة AOC، ندعم منصات المشاركة المشتركة للحكومات المحلية، والتي تتيح للأفراد طرح أفكارهم، والتصويت على المقترحات، ومتابعة النقاشات، وبناء ذكاء جماعي. يكمن التحدي الأكبر في نطاق المشاركة: فعندما تُفعّل هذه المنصات، تُنتج آلاف المساهمات. وهنا، يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُساعد في تجميع المساهمات وتلخيصها وتحليلها، كداعمٍ للنقاش الديمقراطي، لا كبديلٍ عنه.

التغيير الكبير: البنية التحتية الرقمية العامة المشتركة

يكمن العنصر التحويلي الحقيقي في فهم البنية التحتية الرقمية العامة كمنفعة مشتركة. ففي كاتالونيا، لا تمتلك نحو 90% من البلديات القدرة على قيادة التحول الرقمي بمفردها. ولا يكمن الحل في التجزئة، بل في بنى تحتية مشتركة قائمة على الحوسبة السحابية تضمن الأمن السيبراني، وقابلية التشغيل البيني، والعدالة الإقليمية.

إن الانتقال من المشاريع المعزولة إلى البنى التحتية المشتركة لا يسمح بتخلف أي إدارة عن الركب، كما يسمح للتحول الرقمي بتعزيز التماسك الإقليمي والقيمة العامة والثقة الديمقراطية.

الحوكمة متعددة المستويات والإبداع المشترك

لا ينجح التحول الرقمي إلا إذا بُني بشكل جماعي. ويُعدّ نموذج الحلزون الرباعي - الذي يضم الإدارات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمواطنين - أساسياً، رغم تعقيد تطبيقه. في مركز AOC، نضطلع بدور الميسّرين، مستخدمين منهجيات الإبداع المشترك وتصميم الخدمات والتطوير التعاوني.

لا تنجح الحوكمة الرقمية على مستوى واحد. فأوروبا تحدد المبادئ، والدول تُفعّلها، والمناطق تُوسّع نطاق الحلول، والعالم المحلي يُضفي معنىً على التحوّل. لا يمكن لأي مستوى أن ينجح بمفرده.

نُشر في